فخر الدين الرازي

431

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حجة القول : واللّه لا أقربك ثم يقربها ، وبين أن يقول : واللّه لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها اللّه هاهنا ، لأن الحاجة هاهنا داعية إلى / معرفتها ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني : أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة هاهنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في سائر المواضع . أما قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ فهو يدل على عدم العقاب ، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل ، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص ، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير اللّه كما إذا قال : إن وطأتك فعبدي حر ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو ألزم أمرا في الذمة ، فقال : إن وطأتك فلله علي عتق رقبة ، أو صدقة أو صوم ، أو حج ، أو صلاة ، فهل يكون موليا للشافعي رضي اللّه عنه فيه قولان : قال في القديم : لا يكون موليا ، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية ، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف باللّه ، وأيضا روي أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال : من حلف فليحلف باللّه ، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف باللّه ، وقال في الجديد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم اللّه أنه يكون موليا لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل ، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقا أو طلاقا ، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق ، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج ، وفيه أقوال أصحها : أن عليه كفارة اليمين والثاني : عليه الوفاء بما سمى ، والثالث : أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى ، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون موليا فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون موليا لا يضيق عليه الأمر . المسألة الثالثة : اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول : قول ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها أبدا والثاني : قول الحسن البصري وإسحاق : إن أي مدة حلف عليها كان موليا وإن كانت يوما ، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول الشافعي وأحمد ومالك رضي اللّه عنهم : إنه لا يكون موليا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي اللّه عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقا للزوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : أن الفاء في قوله : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ / اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيا عن انقضاء الأربعة أشهر . فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله : فَإِنْ فاؤُ . . . وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ تفصيل لقوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول : أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم .